ابن كثير
226
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الأرض فيخر ميتا على أم رأسه ، فينشدخ رأسه وتبقى جثته هامدة كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان . وقد ثبت في الصحيحين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور » « 1 » وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس العبدي حدثنا ابن فضيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما فتح اللّه على عاد من الريح التي هلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم ، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم فجعلتهم بين السماء والأرض ، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها قالوا هذا عارض ممطرنا ، فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة » . وقال الثوري عن ليث عن مجاهد : الريح لها جناحان وذنب فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ أي هل تحس منهم من أحد من بقاياهم أو ممن ينتسب إليهم بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل اللّه لهم خلفا . ثم قال تعالى : وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ قرئ بكسر القاف أي ومن عنده ممن في زمانه من أتباعه من كفار القبط ، وقرأ آخرون بفتحها أي ومن قبله من الأمم المشبهين له . وقوله تعالى : وَالْمُؤْتَفِكاتُ وهم الأمم المكذبون بالرسل بِالْخاطِئَةِ بالفعلية الخاطئة وهي التكذيب بما أنزل اللّه قال الربيع بِالْخاطِئَةِ أي بالمعصية ، وقال مجاهد : بالخطايا ، ولهذا قال تعالى : فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ وهذا جنس أي كل كذب رسول اللّه إليهم كما قال تعالى كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [ ق : 14 ] ومن كذب برسول فقد كذب بالجميع كما قال تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 105 ] كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 123 ] كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 141 ] وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد ولهذا قال هاهنا : فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً أي عظيمة شديدة أليمة ، قال مجاهد : رابِيَةً شديدة ، وقال السدي : مهلكة . ثم قال تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ أي زاد على الحد بإذن اللّه وارتفع على الوجود ، وقال ابن عباس وغيره : « طغى الماء » كثر ، وذلك بسبب دعوة نوح عليه السّلام على قومه حين كذبوه وخالفوه ، فعبدوا غير اللّه فاستجاب اللّه له وعم أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في السفينة فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته . وقال ابن جرير « 2 » : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران عن أبي سنان سعيد بن سنان عن غير واحد عن علي بن أبي طالب قال : لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك ، فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخزان فطغى الماء على الخزان ، فخرج فذلك قوله تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الاستسقاء باب 26 ، ومسلم في الاستسقاء حديث 17 . ( 2 ) تفسير الطبري 12 / 212 .